العلامة المجلسي
208
بحار الأنوار
فراره " أي من الأمور المقدرة الحتمية كالموت ، قال الله تعالى : " قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ( 1 ) " وإنما قال عليه السلام : " في فراره " لان كل أحد يفر دائما من الموت وإن كان تبعدا . والمساق مصدر ميمي ، وليست في نهج البلاغة كلمة " إليه " فيحتمل أن يكون المراد بالأجل منتهى العمر والمساق ما يساق إليه ، وأن يكون المراد به المدة فالمساق زمان السوق . وقوله عليه السلام : " والهرب منه موافاته " من حمل اللازم على الملزوم ، فإن الانسان ما دام يهرب من موته بحركات وتصرفات يفني عمره فيها ، فكأن الهرب منه موافاته ، والمعنى أنه إذا قدر زوال عمر أو دولة فكل ما يدبره الانسان لرفع ما يهرب منه يصير سببا لحصوله ، إذ تأثير الأدوية والأسباب بإذنه تعالى ، مع أنه عند حلول الأجل يصير أحذق الأطباء أجهلهم ، ويغفل عما ينفع المريض ، وهكذا في سائر الأمور . وقال الفيروزآبادي : الطرد : الابعاد وضم الإبل من نواحيها ، وطردتهم أتيتهم وجزتهم ، وأطرده : أمر بطرده أو باخراجه عن البلد ، واطرد الامر : تبع بعضه بعضا وجرى ، انتهى ( 2 ) ، ويحتمل أن يكون الاطراد بمعنى الطرد والجمع أو الامر به مجازا ، ويمكن أن يقرأ " اطردت " على صيغة الغائب بتشديد الطاء فالأيام فاعله ، قال أكثر شراح النهج : كأنه عليه السلام جعل الأيام أشخاصا يأمر بإخراجهم وإبعادهم عنه ، أي ما زلت أبحث عن كيفية قتلي وأي وقت يكون بعينه ، وفي أي أرض يكون يوما يوما ، فإذا لم أجده في يوم طردته واستقبلت يوما آخر ، وهكذا حتى وقع المقدر ، قالوا : وهذا الكلام يدل على أنه عليه السلام لم يكن يعرف حال قتله مفصلة من جميع الوجوه ، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله أعلمه بذلك مجملا ، و " مكنون هذا الامر " أي المستور من خصوصيات هذا الامر ، أو المستور هو هذا الامر فالمشار إليه شئ متعلق بوفاته . و " هيهات " أي بعد الاطلاع عليه فإنه علم مكنون مخزون ، ومن خواص المخزون ستره والمنع من أن يناله أحد
--> ( 1 ) سورة الجمعة : 8 . ( 2 ) القاموس 1 : 310 .